أثبت أنك لم تغادر غزة.. حين تعجز الوثائق عن توثيق الإبادة
01 يوليو 2026 - 02:49 م
عمان 1 :
ريم الكحلوت
مدونة، كاتبة فلسطينية من غزة
يخبرك الجميع أن هناك طرقا كثيرة لمغادرة المدينة، لكن لا أحد يهدي لك النجاة على طبق من ذهب! بدأت أبحث عن المنح الدراسية الممولة بالكامل، وبينما كنت أسجل لمنحة دراسية للطلاب الغزيين، وصلت إلى بند يطلب مني أن أثبت بوثيقة رسمية أنني لم أخرج من غزة قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023. بدأت أسأل الأصدقاء عن ماهية الوثائق التي تثبت أمرا كهذا، فأخبرني أحدهم أن أراسل جهة حكومية أطلب منها إفادة رسمية تظهر أنني لم أغادر المدينة قبل ذلك التاريخ.
تذكرت أن هويتي الشخصية تثبت أنني من مواليد المدينة. وضعت هويتي الشخصية على ورقة بيضاء، والتقطت صورة بكاميرا هاتفي، وأرسلتها لهم دليلا على أنني ولدت في غزة، لكن الهوية لا تشمل أي بند يثبت أنني لم أخرج منها.
اقترحت علي إحدى الصديقات أن أصور جواز سفري، والذي ستظهر فيه بطبيعة الحال أنه ليس لدي أي رحلات سفر قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكن المضحك في الأمر أنني لا أملك جواز سفر من الأساس. هل أضع الورقة البيضاء وألتقط لها صورة بدون أي شيء لأثبت أنني لا أملك جواز سفر؟ كيف أثبت بالوثائق شيئا غير موجود أساسا؟
وسط كل هذا، وجدتني أفكر في شيء آخر بعيدا عن متطلبات منحة الدراسة تلك! تخيل أنك لا تملك وثيقة تثبت من خلالها أنك عشت كل ما عشته خلال الإبادة في عالم لا يعترف سوى بالوثائق والأرقام! فكرت في أنني لا أملك دليلا واحدا يثبت أنني هربت من البيت تحت وطأة الأحزمة النارية، مرتدية نعل جدتي الأسود في إحدى القدمين، وحذاء آخر رمادي اللون في القدم الأخرى!
وأنني بحاجة لأن أثبت بالوثائق أنني نمت ليلتي في مدرسة تابعة للأمم المتحدة بلا فراش، ولا أغطية، ولا حتى شربة ماء! ما طبيعة الوثيقة التي تثبت كل ما مررت به على مدار السنوات الثلاث الماضية؟ هل أرسل لك قلبي لتفحص عدد رجفات الخوف التي تملكته في كل لحظة اضطررت فيها إلى مغادرة الأماكن والبيوت التي سكنتها؛ لأنها أصبحت غير آمنة، لأهرب إلى أماكن أقل خطرا لا تضمن لي البقاء على قيد الحياة؟
هل كان علي أن أثبت كاميرا على رأسي أوثق فيها كل ما مررنا به كي أثبت أنني عشته بالفعل؟ أفكر في كم المشاهد التي لم أوثقها، والتي قد تبدو ضربا من الخيال حين أتحدث عنها. هل يصدقني أحد إذا قلت له إنني اضطررت لأن أقضي 15 دقيقة على بسطة أحد الباعة أفتش فيها عن حبة طماطم أقل خرابا بين كومة من الطماطم التي لا تصلح للأكل؟
وأن البائع رفض نقودي لأن جودتها ليست كما يجب؟ وأنني بعد أن عدت إليه وجدته قد باع حبة الطماطم، مخبرا إياي أنه وجد زبونا دفع له نقودا بحالة جيدة! هل يبدو حقيقيا أنني تنافست مع مشترين آخرين على حبة طماطم فاسدة؟ تبدو ضربا من المبالغة حقا!
هل كان سيصدقني أحد أقابله خارج كوكب غزة حين أخبره أنني تظاهرت بالعمى حين رأيت الدود في الطحين بعد أن عجنته، دون أن أخبر الجميع الذين كانوا ينتظرونني بفارغ الصبر كي أفرغ من صنع الخبز ليتناولوا وجبتهم الأولى والوحيدة خلال اليوم؟ أو ربما بعد يومين كاملين، من يدري!
هل يبدو شيئا قابلا للتصديق أن تنام مدينة بأكملها وهي لا تدري إن كان بإمكانها الحصول على الطحين في الصباح التالي؟ هل أرسل لك رأسي لترى كم مرة عصفت به الأفكار؟ كم مرة اضطررت إلى اتخاذ قرارات مصيرية تحت وطأة الدم والنار؟ كم مرة اضطررت إلى الاختيار بين البقاء المميت والرحيل الذي لا مفر منه؟
كيف أثبت لك شيئا كهذا بالوثائق؟ هل أرسل لك عيني كي ترى كسرة النزوح فيهما؟ كم مرة بكيت وأنا أحزم أمتعتي التي علي أن أفاضل بينها في كل رحلة نزوح؟ أن أختار الأكثر إلحاحا من بين أشيائي التي أصنعها من الصفر في كل مرة؟
ألا يكفي موتنا؟ ألا نكفي نحن؟ لنثبت أننا عشنا كل ما لا يجب على إنسان أن يعيشه! هل يكفي صوتنا؟ محاولاتنا للحديث؟ هل سيكتبنا التاريخ يوما؟ هل سيحكي عنا كأبطال؟ كضحايا؟ كناجين؟ أخشى أن هذا الموت لا يصدق إلى درجة ألا يصدق فعلا!
مدونة، كاتبة فلسطينية من غزة
يخبرك الجميع أن هناك طرقا كثيرة لمغادرة المدينة، لكن لا أحد يهدي لك النجاة على طبق من ذهب! بدأت أبحث عن المنح الدراسية الممولة بالكامل، وبينما كنت أسجل لمنحة دراسية للطلاب الغزيين، وصلت إلى بند يطلب مني أن أثبت بوثيقة رسمية أنني لم أخرج من غزة قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023. بدأت أسأل الأصدقاء عن ماهية الوثائق التي تثبت أمرا كهذا، فأخبرني أحدهم أن أراسل جهة حكومية أطلب منها إفادة رسمية تظهر أنني لم أغادر المدينة قبل ذلك التاريخ.
تذكرت أن هويتي الشخصية تثبت أنني من مواليد المدينة. وضعت هويتي الشخصية على ورقة بيضاء، والتقطت صورة بكاميرا هاتفي، وأرسلتها لهم دليلا على أنني ولدت في غزة، لكن الهوية لا تشمل أي بند يثبت أنني لم أخرج منها.
اقترحت علي إحدى الصديقات أن أصور جواز سفري، والذي ستظهر فيه بطبيعة الحال أنه ليس لدي أي رحلات سفر قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكن المضحك في الأمر أنني لا أملك جواز سفر من الأساس. هل أضع الورقة البيضاء وألتقط لها صورة بدون أي شيء لأثبت أنني لا أملك جواز سفر؟ كيف أثبت بالوثائق شيئا غير موجود أساسا؟
وسط كل هذا، وجدتني أفكر في شيء آخر بعيدا عن متطلبات منحة الدراسة تلك! تخيل أنك لا تملك وثيقة تثبت من خلالها أنك عشت كل ما عشته خلال الإبادة في عالم لا يعترف سوى بالوثائق والأرقام! فكرت في أنني لا أملك دليلا واحدا يثبت أنني هربت من البيت تحت وطأة الأحزمة النارية، مرتدية نعل جدتي الأسود في إحدى القدمين، وحذاء آخر رمادي اللون في القدم الأخرى!
وأنني بحاجة لأن أثبت بالوثائق أنني نمت ليلتي في مدرسة تابعة للأمم المتحدة بلا فراش، ولا أغطية، ولا حتى شربة ماء! ما طبيعة الوثيقة التي تثبت كل ما مررت به على مدار السنوات الثلاث الماضية؟ هل أرسل لك قلبي لتفحص عدد رجفات الخوف التي تملكته في كل لحظة اضطررت فيها إلى مغادرة الأماكن والبيوت التي سكنتها؛ لأنها أصبحت غير آمنة، لأهرب إلى أماكن أقل خطرا لا تضمن لي البقاء على قيد الحياة؟
هل كان علي أن أثبت كاميرا على رأسي أوثق فيها كل ما مررنا به كي أثبت أنني عشته بالفعل؟ أفكر في كم المشاهد التي لم أوثقها، والتي قد تبدو ضربا من الخيال حين أتحدث عنها. هل يصدقني أحد إذا قلت له إنني اضطررت لأن أقضي 15 دقيقة على بسطة أحد الباعة أفتش فيها عن حبة طماطم أقل خرابا بين كومة من الطماطم التي لا تصلح للأكل؟
وأن البائع رفض نقودي لأن جودتها ليست كما يجب؟ وأنني بعد أن عدت إليه وجدته قد باع حبة الطماطم، مخبرا إياي أنه وجد زبونا دفع له نقودا بحالة جيدة! هل يبدو حقيقيا أنني تنافست مع مشترين آخرين على حبة طماطم فاسدة؟ تبدو ضربا من المبالغة حقا!
هل كان سيصدقني أحد أقابله خارج كوكب غزة حين أخبره أنني تظاهرت بالعمى حين رأيت الدود في الطحين بعد أن عجنته، دون أن أخبر الجميع الذين كانوا ينتظرونني بفارغ الصبر كي أفرغ من صنع الخبز ليتناولوا وجبتهم الأولى والوحيدة خلال اليوم؟ أو ربما بعد يومين كاملين، من يدري!
هل يبدو شيئا قابلا للتصديق أن تنام مدينة بأكملها وهي لا تدري إن كان بإمكانها الحصول على الطحين في الصباح التالي؟ هل أرسل لك رأسي لترى كم مرة عصفت به الأفكار؟ كم مرة اضطررت إلى اتخاذ قرارات مصيرية تحت وطأة الدم والنار؟ كم مرة اضطررت إلى الاختيار بين البقاء المميت والرحيل الذي لا مفر منه؟
كيف أثبت لك شيئا كهذا بالوثائق؟ هل أرسل لك عيني كي ترى كسرة النزوح فيهما؟ كم مرة بكيت وأنا أحزم أمتعتي التي علي أن أفاضل بينها في كل رحلة نزوح؟ أن أختار الأكثر إلحاحا من بين أشيائي التي أصنعها من الصفر في كل مرة؟
ألا يكفي موتنا؟ ألا نكفي نحن؟ لنثبت أننا عشنا كل ما لا يجب على إنسان أن يعيشه! هل يكفي صوتنا؟ محاولاتنا للحديث؟ هل سيكتبنا التاريخ يوما؟ هل سيحكي عنا كأبطال؟ كضحايا؟ كناجين؟ أخشى أن هذا الموت لا يصدق إلى درجة ألا يصدق فعلا!
الوسوم
#غزة
#أحد
#حين
#أنني
#أثبت
#مرة
#تثبت
#بالوثائق
#اضطررت
#أنك
ابقَ على تواصل
كن الأول في معرفة أخر المستجدات فور حدوثها
ابقَ اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.
تم الاشتراك بنجاح ✅
اقرأ أيضاً
01