سجن تدمر السوري إسطبل الخيول الأكثر رعبا في العالم
28 يونيو 2026 - 11:50 ص
عمان 1 :
بناه الفرنسيون في ثلاثينيات القرن العشرين إسطبلا للخيول، ثم تحوّل إلى سجن عسكري، ومنذ 1966 أودع فيه المعتقلون السياسيون ومعتقلو الرأي، ومورست عليهم أنواع عديدة من الإساءات والتعذيب، ونفذت فيه إعدامات ميدانية راح ضحيتها الآلاف، وارتكب فيه شتى أصناف الانتهاكات حتى بات يعرف بأنه أسوأ السجون السورية، ومن أظلم سجون العالم، قبل أن "ينافسه" سجن صيدنايا في عهد الرئيس بشار الأسد على هذا "اللقب".
في 27 يونيو/حزيران 1980، نفذت فيه قوات سرايا الدفاع النظامية التي يقودها رفعت شقيق الرئيس السوري حافظ الأسد، مجزرة راح ضحيتها حوالي 1200 معتقل دفنت جثثهم في الصحراء وفق تقديرات حقوقية، وذلك انتقاما من المعتقلين فيه من جماعة الإخوان المسلمين عقب تعرّض الرئيس لمحاولة اغتيال.
أغلق سجن تدمر الصحراوي عام 2001 مدة 10 سنوات، ثم أعيد فتحه مع بدء الثورة السورية، قبل أن يسيطر عليه تنظيم الدولة الإسلامية في 2015 -وكان قد أفرغ من المعتقلين- بعد معارك مع جيش النظام السوري، ثم يفجّر التنظيم السجن بعد تفخيخه بالمتفجرات.
الموقع والتاريخ
يقع سجن تدمر في صحراء حمص، قرب موقع تدمر الأثري على بعد نحو 200 كيلومتر شمال شرق العاصمة السورية دمشق قرب وادي عويطة.
يعود تاريخ السجن إلى ثلاثينيات القرن العشرين، زمن الاستعمار الفرنسي، حين بناه الفرنسيون إسطبلا لخيولهم، بينما تقول رواية أخرى إن سلطات الاستعمار بنته في تلك المنطقة ليكون ثكنة عسكرية لجنودها، وبعد استقلال سوريا حوّلته الحكومة إلى سجن عسكري لمعاقبة المخالفين من أفراد الجيش.
لكن منذ عام 1966، أصبح السجن -بالإضافة إلى وظيفته العسكرية- يستقبل المعتقلين السياسيين، ولا سيما ممن اتهموا بالعلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين التي كانت من أبرز الحركات المعارضة للسلطة في ذلك الوقت، وقد تضاعفت أعداد المعتقلين السياسيين فيه مع تولي الرئيس حافظ الأسد السلطة في البلاد (1971-2000)، وشهدت جدرانه على مجازر مروعة عديدة، أشدها ترويعا المجزرة التي ارتكبتها سرايا الدفاع عام 1980 بقيادة رفعت الأسد شقيق الرئيس آنذاك وراح ضحيتها حوالي 1200 معتقل.
في عام 2001 أُغلق السجن ونقل المعتقلون فيه إلى سجون أخرى، لكن بعد بدء الثورة السورية أعيد فتحه يوم 15 يونيو/حزيران 2011، وتؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش أنه في ديسمبر/كانون الأول 2011، أي بعد نحو خمسة أشهر من إعادة فتحه، كان فيه نحو 2500 معتقل.
ومع اتساع رقعة المعارك في سوريا، وتعدد الجهات المشاركة فيها، سيطر تنظيم الدولة على السجن في 21 مايو/أيار 2015، بعد 9 أيام من الاشتباكات مع قوات الأسد في مدينة تدمر وسجنها، وكانت السلطات السورية قد نقلت المعتقلين فيه إلى سجون أخرى. وبث التنظيم صورا وتسجيلات مرئية للسجن كانت الأولى من نوعها، إذ لم يسبق أن تم تصويره أو نشرت فيديوهات منه توضح شكله وتفاصيل زنازينه الجماعية والفردية.
وفي يوم 30 مايو/أيار 2015، فخخ تنظيم الدولة السجن وفجّره، وسط استنكار الناشطين والحقوقيين الذين كانوا ينظرون إليه على أنه رمز من رموز القمع في ثمانينيات القرن العشرين، وشاهد على الجرائم التي ارتكبها الجيش السوري. وأضاف هؤلاء الناشطون أن التفجير يعدّ هدية للنظام السوري، لأنه يساعده على محو جرائمه وإزالتها والتخلص من آثارها وأدلتها.
وصف السجن
بُني السجن بنظام يسمى "بانوبتيكون" (Panopticon)، وهو نوع من أنواع السجون التي تصمم بطريقة تسمح للحراس بمراقبة السجناء طوال الوقت، أما كلمة " بانوبتيكون" فتعود إلى كلمة "بانوبتس" (Panoptes) التي تطلق على عملاق يوناني تقول الأساطير إن له 100 عين.
وتحيط بالسجن سواتر ترابية من جميع الاتجاهات، ومعظم بنائه من طابق أرضي، وبعض مبانيه كانت مكونة من طابق أرضي وطابق أول.
وبحسب وصف معتقلين سابقين، فإن سجن تدمر فيه 7 ساحات، تضم كل واحدة منها بين 40 و50 زنزانة كبيرة، أو ما يعرف باسم "المهجع"، إضافة إلى 39 زنزانة بحجم أصغر، كما يضمّ عددا من زنازين الحبس الانفرادي.
ويقول حسن النيفي المعتقل السابق في سجن تدمر إن "الزنازين لم تكن مخصصة ليسكنها البشر، لذا لا تتطابق مع أي معايير صحية ولا تنطبق عليها أي مواصفات تناسب الإنسان"، فالمهاجع مستطيلة مبنية من جدران سميكة، يتراوح عرضها بين 4 و5 أمتار، لكن طولها مختلف على نحو كبير ويتراوح بين 6 أمتار و20 مترا.
ويصف النيفي النوافذ بقوله "لم تكن الزنازين مزودة بالنوافذ، لكن بسبب الاكتظاظ الشديد وحالات الاختناق المتكررة فتحت إدارة السجن نوافذ صغيرة أعلى الجدار تلاصق السقف، وثبتت فيها قضبانا حديدية غليظة وقوية".
كما احتوت جميع المهاجع على ما يعرف بـ"الشرّاقة"، وهي فتحة في السقف مساحتها نحو متر مربع، مغطاة بالقضبان الحديدية والأسلاك الشائكة، والهدف منها -بحسب المعتقلين- هو مراقبة السجناء على مدى 24 ساعة، وحراسة السجن من السطح.
ويضيف النيفي أن "السجانين كانوا يعطون أوامر بالتعذيب من الشراقة، فعلى سبيل المثال كانوا ينادون على سجين معين ويأمرونه بسكب الماء البارد على بقية المعتقلين في السجن أو ضرب أحد المعتقلين، أو غيرها من طرق الإهانة والتعذيب".
ولا يسمح للمعتقلين بالنظر إلى الشراقة، ومن يفعل ذلك ويراه السجان فإنه يعاقب عقوبة شديدة، لذا كان المعتقلون يختلسون النظر إلى الشراقة حين يسمعون خطوات الحارس تبتعد عنها.
سجن تدمر في عهد آل الأسد
كان سجن تدمر سجنا عسكريا، لكن السلطات بدأت تعتقل فيه السياسيين والمعارضين منذ 1966، وبعد وصول حافظ الأسد إلى رئاسة سوريا مطلع سبعينيات القرن العشرين، تحوّل السجن بشكل كامل إلى معتقل للسياسيين، وامتلأ بالمعارضين من الإسلاميين واليساريين والعلمانيين.
وكان الجيش السوري قد شنّ حملة اعتقالات واسعة نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات، طالت آلاف المعارضين من الإسلاميين واليساريين، وأودعهم سجن تدمر حيث كانوا يتعرضون للتعذيب وانتهاك الحقوق وحتى الإعدام.
وفي عام 1980، نفذت سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد شقيق الرئيس حافظ الأسد مجزرة في سجن تدمر استهدفت المعتقلين فيه، وراح ضحيتها ما بين 800 و1200 قتيل، باختلاف التقديرات، معظمهم من الإسلاميين وأفراد جماعة الإخوان المسلمين، ودفنوا في مقابر جماعية في واد صحراوي قريب من السجن.
وفي عهد الرئيس بشار الأسد، أعيد افتتاح السجن عام 2011، وأصبح معتقلا لمعارضيه خاصة نشطاء الثورة السورية، إلى أن سيطر عليه تنظيم الدولة عام 2015.
التعذيب في سجن تدمر
يعرف سجن تدمر بفظاعة تعذيبه وفق ما ذكره كثير من المعتقلين السابقين فيه، ويبدأ التعذيب بما يسمى "حفل الاستقبال". فبمجرد وصول المعتقلين إليه يخضعون لساعات من التعذيب والتنكيل في ساحاته، فيؤمَرون بالدخول داخل إطارات للسيارات، ويتناوب السجانون عليهم بالضرب لينال كل سجين ما لا يقل عن 200 إلى 400 جلدة، وذلك قبل دخول الزنازين.
وقد ذكر عدد من المعتقلين أنهم حين وصولهم السجن وبعد الضرب، أجبروا على لعق مياه الصرف الصحي التي كانت على الأرض، ومن يرفض ذلك فإنه يتعرض للضرب حتى الموت.
ويتكرر التعذيب في اليوم الواحد 3 مرات بأشكال مختلفة، منها الضرب والشبح (التعليق) والتعذيب بأدوات مختلفة، فضلا عن الإذلال المستمر. فقد ابتكر السجانون طرقا مختلفة لإذلال السجناء وتعذيبهم، كأن يطلب من بعضهم حمل آخرين ورميهم على الأرض، أو أن يضرب بعضهم بعضا، وبعد كل ذلك كان العلاج والتداوي ممنوعا عنهم.
ويروي الناجون من السجن أن السجانين كانت لديهم صلاحيات مفتوحة للتعامل مع المعتقلين من دون أي ضوابط تتعلق بالمحافظة على حياتهم أو احترام إنسانيتهم.
الحياة اليومية في السجن
يشير المعتقل السابق في سجن تدمر محمد برو إلى أن نمط الكلام المسموح به في الزنزانة كان الهمس فقط، لأن الصوت العادي كان "يزعج السجانين"، ولا سيما مع أعداد المعتقلين الكبيرة.
من جهته، يؤكد حسن النيفي أن الممنوعات في الحياة اليومية هي: "الصوت المرتفع، أو المشي الجماعي، أو وجود أكثر من شخص في دورة المياه، إضافة إلى منع الشعائر الدينية منعا مطلقا، كما يمنع النظر إلى الشراقة".
ويصف النيفي فترات "التنفس" اليومية بأنها كانت فترات تعذيب ولم تكن للتنفس والاسترخاء، إذ كان السجانون يصفّون المعتقلين ويتناوبون عليهم بالضرب بالهراوات والكوابل وبالركل والشتم.
كذلك لم تكن زيارة الأهل مسموحة للسجناء السياسيين ومعتقلي الرأي، وحتى إذا تم تدبير زيارة ما بالوساطات والرشاوى فإن مدتها لا تزيد على 10 دقائق تحت مراقبة إدارة السجن، ويمنع فيها التحدث عن أوضاع السجن، بل كان المعتقلون يُجبَرون فيها على مدح الحال وادعاء الرفاهية وحسن المعاملة، ومن يخالف ذلك كان يخضع للتعذيب.
محاكمات عسكرية ميدانية
كانت تقام في السجن محكمة ميدانية عسكرية في أيام محددة في الأسبوع في ثمانينيات القرن العشرين، وكان المعتقلون يساقون إلى المحكمة مجموعات معصوبي الأعين بمرافقة السجانين، ويجلسون في ساحة خارجية ينتظرون دورهم، وخلال ذلك يتعرضون لضرب مستمر من السجانين بالعصي والكوابل المطاطية وهم على ركبهم ورؤوسهم منكسة لأسفل.
وحين يأتي دور المعتقل يدخل إلى غرفة المحاكمة حيث يجلس رئيسها فيسأله: أنت فعلت كذا وكذا؟ وفق التهمة الموجهة إليه، وعلى المعتقل الإجابة بـ: نعم، ثم يقرأ رئيس المحكمة الحكم ويطلب من المعتقل التوقيع عليه، وهذا الأمر لا يستغرق أكثر من دقائق معدودة، وفي بعض الأحيان تكون مدة المحاكمة دقيقة واحدة لا أكثر.
يقول المعتقل خالد العقلة إنه "في حالة إنكار المعتقل التهم الموجهة إليه فإنه يتعرض لتعذيب شديد، ثم يعاد حتى تكون إجابته بنعم، لذا ترسخت لدى المعتقلين أنه لا فائدة من الإنكار".
الإعدامات
كانت أحكام الإعدام تنفذ في الساحة السادسة بالسجن في يومين من الأسبوع بحضور رئيس المحكمة ذاته، وتضمّ عملية الإعدام أعدادا كبيرة من المعتقلين، وفي حالات حدوث اضطرابات أو أحداث في البلاد فإن دفعات الإعدام تزداد، وأحيانا تصل إلى المئات، وفي الحالات العادية تكون بالعشرات.
ووفق شهادة المعتقل عمر حذيفة، فإن الإعدامات الميدانية استمرت نحو 10 سنوات، وبدأت بيومين في الأسبوع أو ثلاثة أيام، وبقيت مكثفة حتى عام 1984، ثم خفّت بعد ذلك فأصبحت مرة أو مرتين في الشهر إلى عام 1990، إذ تنصب المشانق ويعلق فيها المعتقلون على دفعات متتالية ويشنقون، ثم تجمع الجثث وتنقل إلى وادي عويطة وتدفن في مقابر جماعية.
ويقول خالد العقلة إنه من خلال الإحصائيات التي أجراها هو وعدد من زملائه الذين نجوا، تبين لهم أن عدد الذين أُعدموا ميدانيا يتراوح بين 25 ألفا و35 ألفا.
ويقول عمر حذيفة إنه عقب كل يوم إعدام كان السجن يستقبل أعدادا جديدة من المعتقلين، ويتكرر الأمر بحسب أيام الإعدام.
في 27 يونيو/حزيران 1980، نفذت فيه قوات سرايا الدفاع النظامية التي يقودها رفعت شقيق الرئيس السوري حافظ الأسد، مجزرة راح ضحيتها حوالي 1200 معتقل دفنت جثثهم في الصحراء وفق تقديرات حقوقية، وذلك انتقاما من المعتقلين فيه من جماعة الإخوان المسلمين عقب تعرّض الرئيس لمحاولة اغتيال.
أغلق سجن تدمر الصحراوي عام 2001 مدة 10 سنوات، ثم أعيد فتحه مع بدء الثورة السورية، قبل أن يسيطر عليه تنظيم الدولة الإسلامية في 2015 -وكان قد أفرغ من المعتقلين- بعد معارك مع جيش النظام السوري، ثم يفجّر التنظيم السجن بعد تفخيخه بالمتفجرات.
الموقع والتاريخ
يقع سجن تدمر في صحراء حمص، قرب موقع تدمر الأثري على بعد نحو 200 كيلومتر شمال شرق العاصمة السورية دمشق قرب وادي عويطة.
يعود تاريخ السجن إلى ثلاثينيات القرن العشرين، زمن الاستعمار الفرنسي، حين بناه الفرنسيون إسطبلا لخيولهم، بينما تقول رواية أخرى إن سلطات الاستعمار بنته في تلك المنطقة ليكون ثكنة عسكرية لجنودها، وبعد استقلال سوريا حوّلته الحكومة إلى سجن عسكري لمعاقبة المخالفين من أفراد الجيش.
لكن منذ عام 1966، أصبح السجن -بالإضافة إلى وظيفته العسكرية- يستقبل المعتقلين السياسيين، ولا سيما ممن اتهموا بالعلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين التي كانت من أبرز الحركات المعارضة للسلطة في ذلك الوقت، وقد تضاعفت أعداد المعتقلين السياسيين فيه مع تولي الرئيس حافظ الأسد السلطة في البلاد (1971-2000)، وشهدت جدرانه على مجازر مروعة عديدة، أشدها ترويعا المجزرة التي ارتكبتها سرايا الدفاع عام 1980 بقيادة رفعت الأسد شقيق الرئيس آنذاك وراح ضحيتها حوالي 1200 معتقل.
في عام 2001 أُغلق السجن ونقل المعتقلون فيه إلى سجون أخرى، لكن بعد بدء الثورة السورية أعيد فتحه يوم 15 يونيو/حزيران 2011، وتؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش أنه في ديسمبر/كانون الأول 2011، أي بعد نحو خمسة أشهر من إعادة فتحه، كان فيه نحو 2500 معتقل.
ومع اتساع رقعة المعارك في سوريا، وتعدد الجهات المشاركة فيها، سيطر تنظيم الدولة على السجن في 21 مايو/أيار 2015، بعد 9 أيام من الاشتباكات مع قوات الأسد في مدينة تدمر وسجنها، وكانت السلطات السورية قد نقلت المعتقلين فيه إلى سجون أخرى. وبث التنظيم صورا وتسجيلات مرئية للسجن كانت الأولى من نوعها، إذ لم يسبق أن تم تصويره أو نشرت فيديوهات منه توضح شكله وتفاصيل زنازينه الجماعية والفردية.
وفي يوم 30 مايو/أيار 2015، فخخ تنظيم الدولة السجن وفجّره، وسط استنكار الناشطين والحقوقيين الذين كانوا ينظرون إليه على أنه رمز من رموز القمع في ثمانينيات القرن العشرين، وشاهد على الجرائم التي ارتكبها الجيش السوري. وأضاف هؤلاء الناشطون أن التفجير يعدّ هدية للنظام السوري، لأنه يساعده على محو جرائمه وإزالتها والتخلص من آثارها وأدلتها.
وصف السجن
بُني السجن بنظام يسمى "بانوبتيكون" (Panopticon)، وهو نوع من أنواع السجون التي تصمم بطريقة تسمح للحراس بمراقبة السجناء طوال الوقت، أما كلمة " بانوبتيكون" فتعود إلى كلمة "بانوبتس" (Panoptes) التي تطلق على عملاق يوناني تقول الأساطير إن له 100 عين.
وتحيط بالسجن سواتر ترابية من جميع الاتجاهات، ومعظم بنائه من طابق أرضي، وبعض مبانيه كانت مكونة من طابق أرضي وطابق أول.
وبحسب وصف معتقلين سابقين، فإن سجن تدمر فيه 7 ساحات، تضم كل واحدة منها بين 40 و50 زنزانة كبيرة، أو ما يعرف باسم "المهجع"، إضافة إلى 39 زنزانة بحجم أصغر، كما يضمّ عددا من زنازين الحبس الانفرادي.
ويقول حسن النيفي المعتقل السابق في سجن تدمر إن "الزنازين لم تكن مخصصة ليسكنها البشر، لذا لا تتطابق مع أي معايير صحية ولا تنطبق عليها أي مواصفات تناسب الإنسان"، فالمهاجع مستطيلة مبنية من جدران سميكة، يتراوح عرضها بين 4 و5 أمتار، لكن طولها مختلف على نحو كبير ويتراوح بين 6 أمتار و20 مترا.
ويصف النيفي النوافذ بقوله "لم تكن الزنازين مزودة بالنوافذ، لكن بسبب الاكتظاظ الشديد وحالات الاختناق المتكررة فتحت إدارة السجن نوافذ صغيرة أعلى الجدار تلاصق السقف، وثبتت فيها قضبانا حديدية غليظة وقوية".
كما احتوت جميع المهاجع على ما يعرف بـ"الشرّاقة"، وهي فتحة في السقف مساحتها نحو متر مربع، مغطاة بالقضبان الحديدية والأسلاك الشائكة، والهدف منها -بحسب المعتقلين- هو مراقبة السجناء على مدى 24 ساعة، وحراسة السجن من السطح.
ويضيف النيفي أن "السجانين كانوا يعطون أوامر بالتعذيب من الشراقة، فعلى سبيل المثال كانوا ينادون على سجين معين ويأمرونه بسكب الماء البارد على بقية المعتقلين في السجن أو ضرب أحد المعتقلين، أو غيرها من طرق الإهانة والتعذيب".
ولا يسمح للمعتقلين بالنظر إلى الشراقة، ومن يفعل ذلك ويراه السجان فإنه يعاقب عقوبة شديدة، لذا كان المعتقلون يختلسون النظر إلى الشراقة حين يسمعون خطوات الحارس تبتعد عنها.
سجن تدمر في عهد آل الأسد
كان سجن تدمر سجنا عسكريا، لكن السلطات بدأت تعتقل فيه السياسيين والمعارضين منذ 1966، وبعد وصول حافظ الأسد إلى رئاسة سوريا مطلع سبعينيات القرن العشرين، تحوّل السجن بشكل كامل إلى معتقل للسياسيين، وامتلأ بالمعارضين من الإسلاميين واليساريين والعلمانيين.
وكان الجيش السوري قد شنّ حملة اعتقالات واسعة نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات، طالت آلاف المعارضين من الإسلاميين واليساريين، وأودعهم سجن تدمر حيث كانوا يتعرضون للتعذيب وانتهاك الحقوق وحتى الإعدام.
وفي عام 1980، نفذت سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد شقيق الرئيس حافظ الأسد مجزرة في سجن تدمر استهدفت المعتقلين فيه، وراح ضحيتها ما بين 800 و1200 قتيل، باختلاف التقديرات، معظمهم من الإسلاميين وأفراد جماعة الإخوان المسلمين، ودفنوا في مقابر جماعية في واد صحراوي قريب من السجن.
وفي عهد الرئيس بشار الأسد، أعيد افتتاح السجن عام 2011، وأصبح معتقلا لمعارضيه خاصة نشطاء الثورة السورية، إلى أن سيطر عليه تنظيم الدولة عام 2015.
التعذيب في سجن تدمر
يعرف سجن تدمر بفظاعة تعذيبه وفق ما ذكره كثير من المعتقلين السابقين فيه، ويبدأ التعذيب بما يسمى "حفل الاستقبال". فبمجرد وصول المعتقلين إليه يخضعون لساعات من التعذيب والتنكيل في ساحاته، فيؤمَرون بالدخول داخل إطارات للسيارات، ويتناوب السجانون عليهم بالضرب لينال كل سجين ما لا يقل عن 200 إلى 400 جلدة، وذلك قبل دخول الزنازين.
وقد ذكر عدد من المعتقلين أنهم حين وصولهم السجن وبعد الضرب، أجبروا على لعق مياه الصرف الصحي التي كانت على الأرض، ومن يرفض ذلك فإنه يتعرض للضرب حتى الموت.
ويتكرر التعذيب في اليوم الواحد 3 مرات بأشكال مختلفة، منها الضرب والشبح (التعليق) والتعذيب بأدوات مختلفة، فضلا عن الإذلال المستمر. فقد ابتكر السجانون طرقا مختلفة لإذلال السجناء وتعذيبهم، كأن يطلب من بعضهم حمل آخرين ورميهم على الأرض، أو أن يضرب بعضهم بعضا، وبعد كل ذلك كان العلاج والتداوي ممنوعا عنهم.
ويروي الناجون من السجن أن السجانين كانت لديهم صلاحيات مفتوحة للتعامل مع المعتقلين من دون أي ضوابط تتعلق بالمحافظة على حياتهم أو احترام إنسانيتهم.
الحياة اليومية في السجن
يشير المعتقل السابق في سجن تدمر محمد برو إلى أن نمط الكلام المسموح به في الزنزانة كان الهمس فقط، لأن الصوت العادي كان "يزعج السجانين"، ولا سيما مع أعداد المعتقلين الكبيرة.
من جهته، يؤكد حسن النيفي أن الممنوعات في الحياة اليومية هي: "الصوت المرتفع، أو المشي الجماعي، أو وجود أكثر من شخص في دورة المياه، إضافة إلى منع الشعائر الدينية منعا مطلقا، كما يمنع النظر إلى الشراقة".
ويصف النيفي فترات "التنفس" اليومية بأنها كانت فترات تعذيب ولم تكن للتنفس والاسترخاء، إذ كان السجانون يصفّون المعتقلين ويتناوبون عليهم بالضرب بالهراوات والكوابل وبالركل والشتم.
كذلك لم تكن زيارة الأهل مسموحة للسجناء السياسيين ومعتقلي الرأي، وحتى إذا تم تدبير زيارة ما بالوساطات والرشاوى فإن مدتها لا تزيد على 10 دقائق تحت مراقبة إدارة السجن، ويمنع فيها التحدث عن أوضاع السجن، بل كان المعتقلون يُجبَرون فيها على مدح الحال وادعاء الرفاهية وحسن المعاملة، ومن يخالف ذلك كان يخضع للتعذيب.
محاكمات عسكرية ميدانية
كانت تقام في السجن محكمة ميدانية عسكرية في أيام محددة في الأسبوع في ثمانينيات القرن العشرين، وكان المعتقلون يساقون إلى المحكمة مجموعات معصوبي الأعين بمرافقة السجانين، ويجلسون في ساحة خارجية ينتظرون دورهم، وخلال ذلك يتعرضون لضرب مستمر من السجانين بالعصي والكوابل المطاطية وهم على ركبهم ورؤوسهم منكسة لأسفل.
وحين يأتي دور المعتقل يدخل إلى غرفة المحاكمة حيث يجلس رئيسها فيسأله: أنت فعلت كذا وكذا؟ وفق التهمة الموجهة إليه، وعلى المعتقل الإجابة بـ: نعم، ثم يقرأ رئيس المحكمة الحكم ويطلب من المعتقل التوقيع عليه، وهذا الأمر لا يستغرق أكثر من دقائق معدودة، وفي بعض الأحيان تكون مدة المحاكمة دقيقة واحدة لا أكثر.
يقول المعتقل خالد العقلة إنه "في حالة إنكار المعتقل التهم الموجهة إليه فإنه يتعرض لتعذيب شديد، ثم يعاد حتى تكون إجابته بنعم، لذا ترسخت لدى المعتقلين أنه لا فائدة من الإنكار".
الإعدامات
كانت أحكام الإعدام تنفذ في الساحة السادسة بالسجن في يومين من الأسبوع بحضور رئيس المحكمة ذاته، وتضمّ عملية الإعدام أعدادا كبيرة من المعتقلين، وفي حالات حدوث اضطرابات أو أحداث في البلاد فإن دفعات الإعدام تزداد، وأحيانا تصل إلى المئات، وفي الحالات العادية تكون بالعشرات.
ووفق شهادة المعتقل عمر حذيفة، فإن الإعدامات الميدانية استمرت نحو 10 سنوات، وبدأت بيومين في الأسبوع أو ثلاثة أيام، وبقيت مكثفة حتى عام 1984، ثم خفّت بعد ذلك فأصبحت مرة أو مرتين في الشهر إلى عام 1990، إذ تنصب المشانق ويعلق فيها المعتقلون على دفعات متتالية ويشنقون، ثم تجمع الجثث وتنقل إلى وادي عويطة وتدفن في مقابر جماعية.
ويقول خالد العقلة إنه من خلال الإحصائيات التي أجراها هو وعدد من زملائه الذين نجوا، تبين لهم أن عدد الذين أُعدموا ميدانيا يتراوح بين 25 ألفا و35 ألفا.
ويقول عمر حذيفة إنه عقب كل يوم إعدام كان السجن يستقبل أعدادا جديدة من المعتقلين، ويتكرر الأمر بحسب أيام الإعدام.
الوسوم
#الرئيس
#فيه
#السوري
#عام
#الأسد
#سجن
#السجن
#المعتقلين
#تدمر
#المعتقل
ابقَ على تواصل
كن الأول في معرفة أخر المستجدات فور حدوثها
ابقَ اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.
تم الاشتراك بنجاح ✅
اقرأ أيضاً
01